بيت لحم مازالت حزينة… سماؤها مغبر وأرضها تكسوها صفرة الفراق… بقايا أكوام التراب والحجارة… كل يوم تصحٌ وتجهز نفسها لتذهب إلى القدس… لبست أجمل ما لديها من فساتين، تركت السيارات تمر من جنبها،لم تشأ أن تطلب سيارة لقضاء الرحلة… تركتها تسير وسارت مثلما تسير كل الناس عند الحواجز وغير الحواجز وبعد مسير سنتين ونصف وبعد أن اجتازت شارع المدبسة، وقفت أمام حاجز إسرائيلي… وقفت قبالة سلاحاً من طراز خمسمائة، وعنده وقفت ثلة من الجنود يمنعون الناس قطع بضع أمتار ويكونوا على رأس أعمالهم… بضع أمتار ويكونوا في حضرة الأهل…فكرت وهي ما زالت تنظر إلى فوهة السلاح… هل سيسمحون لي بالمرور… نعم أنا بيت لحم المدينة المقدسة ومهد المسيح… ربما أبدو شاحبة بعض الشيء ولكن سأعود على أحسن ما يرام… اشتقت للقدس وقررت رغم آلامي أن أزورها … أن أمر منها إلى رام الله… بدا الحاجز قاتما وهي تطيل النظر اليه… قاتم السواد… عاد الناس بعد أن رفض الحاجز السماح لهم بالمرور، أما بيت لحم فظلت تقف عند الحاجز وتصر على المرور… ويمر عنها دبلوماسيي العالم يعتذرون لها دون أن يقدروا على تقديم أي مساعدة… كانوا فخورين بها على صبرها وإصرارها على المرور… والبعض يمتقع وجهه احمرارا من الخجل من تلك الفاضلة…
بعد أن أعدت مائدة الإفطار… وحرصت دائما أن ترضع طفلها إبن السبعة شهور … جلست إلى جانب زوجها تماما… حملت قطعتين من الخبز الساخن … وقالت له
:- تفضل يا زوجي العزيز…ألم أقل لك أنها ميسرة… وأن الله لا ينسى من عباده أحد… رغم الحصار الناس يتعاونون… لقد سرت بضع خطوات في الحديقة ،وكانت جارتنا في حديقة منزلها تختفي وراء الشجيرات كلما مرت سيارة جيش أو دبابة…
ظل صامتاً… يفكر في مشكلتة لا يجد لها حل… إنه لا يملك أن يفعل شيئاً… إنه يجلس في منزله مع زوجته وطفله الوحيد… ينتظر… ينتظر… هذا الانتظار اللعين الذي يجعل منه الحصار ومنع التجول ثاني أكسيد الكربون يخنق كل الأحياء…
:- خمسة من النساء شاركن في نقل عشر” قماجات ” من الخبز … تفصلنا عن المخبز خمس حقول … في كل حقل وقفت واحدة ، سمعت رصاصات انطلقت لم أميز كم كانت … ربما كانت خمس الى عشر رصاصات ليست أقل من ذلك ولا أكثر…في الليل كان الكثير منها… أنا غفوت بعد منتصف الليل واستسلمت للنوم تاركا الظلام ليغشي عيون الجند…
:- رد وفي عينية الحسرة… حسرة الشوق الى الحرية… الشوق للخروج الى الفناء ليمر أحد ويلقي عليه السلام… وان يصر أن يدعوه ليشرب معه فنجان قهوة… ان ينادي زوجتة ويقول لها “أعدي لنا فنجانين من القهوة سكر قليل ” واحضري علبة الدخان … صحيح أنني تركته منذ بضع شهور، ولكنني إشتقت الى تدخين سيجارة تحت أشعة شمس ترتد عن جدران المنزل وبدت الاخيرة متألقة تحتها واضحة… تحدث وهو يمد يده لالتقاط بعض شرائح البطاطا المقلية التي مازال البخار والزيت يتعالى منها …
:- منذ ستة شهور وأنا أجلس في البيت … بحثت عن عمل في البداية ولكن لم يحصل نصيب، أنا مقتنع بنصيبي… أو ربما يا زوجتي العزيزة إنني أحيى عاجزاً أمام أمر واقع … ثلاثة شهور … ثلاثة شهور عمل بعد التخرج من كلية الحقوق… بعدها صرت أنام لبضع ساعات في النهار وأظل صاحيا طوال الليل منع التجول يجعلني دائما أشعر أنني بحاجة إلى الاستفراغ ، والتفجيرات التي تأتي من صوب كنيسة المهد أشعر إنها تفجر خلايا جسدي… فاهرب من هذا الأرق وأنظر إلى وجه مجد…هذا الطفل الذي لا يدرك ما يحدث حوله… يغمض عينية وينام … ويترك لحبات العرق البريئة أن تغفو على ذقنه الصغير ، ويحرك شفتيه كأنه يحلم أنه يرضع… وأمد يدي لأفرك أنفه الصغير ، فأتراجع حين أتذكر أن الأرق في مثل هذه الليالي أمرا لا يحتمل…
أربعون يوما مرت لم اسمع فيها صوت الآذان يرفع… لم أسمع صوت أجراس الكنائس…آه لو يتاح لي سماعها… هذا سيريح أعصابي بالتأكيد… صوت الرصاص والتفجيرات وصوت الآليات تمر في شوارع المدينة… صوت المذيع يقول :
مازال المحاصرون في كنيسة المهد صامدون… استشهاد اثنين داخل باحة الكنيسة… الكهنة يصلون ويصبرون، والمقاتلين يدافعون ويقاومون في حضرة المسيح وأمام عيون مريم العذراء… كانوا يقتربون من العالم الآخر… إنها مراسم صلب حديثة وبسلاح حديث وأمام كاميرات التصوير… كانت جدران الكنيسة تترفع في وجه الجند والخشب البني بقي مكانه لا يخشى الرصاص…
نعم تذكر عندما زارها هو وزوجته ويشرح لها عن الكنيسة… هنا باحة الكنيسة… هنا مغارة المهد هنا ولد المسيح… وهنا الآن يحاصر الرهبان والمقاومين…
عندما كان يذهب إلى العمل كانت تقف عند الباب تودعه… يخرج قبلها… وبعد فترة وجيزة تحمل ابنها إلى الحضانة وتذهب إلى عملها… الآن هاهو يقف أمامها ليلقي علها النظرة الأخيرة…الدموع لا تنتهي من عينيه… هاهو يودعها وتذهب … رنا لن تعود… إنه الفراق الأبدي… هم ليقول لها انهضي لا تذهبي…فأنا أحتاجك… يحتاجك مجد… هديل… هديل قولي لرنا أن تعود…سأنتظر هناك تحت شجرة الصنوبر التي تقع خلف الكلية… هناك كان أول لقاء لنا… هناك اتفقنا على أن لا نفترق… هنا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |